
الإمام أبي الأعلى المودودي
الأستاذ مصطفى الطحان
تلقيت رسالة كريمة من أمير الجماعة الإسلامية فضيلة الأستاذ القاضي حسين أحمد ومعها دعوة لحضور مؤتمر يعقد في لاهور خلال الفترة (6-7) ديسمبر 2003م بمناسبة مرور قرن على ميلاد المفكر الإسلامي الكبير مؤسس الجماعة الإسلامية في القارة الهندية الإمام أبي الأعلى المودودي.. وكان لا بد من تلبية الدعوة بالرغم من كثرة الانشغالات، فللإمام المودودي في أعناقنا نحن أبناء هذا الجيل دين عظيم..
· فهو المفكر الإسلامي الذي تربينا على فكره وكتبه التي ترجمت إلى اللغة العربية في أوائل الأربعينات.. وأصبح هذا الفكر بالإضافة إلى فكر الإخوان المسلمين الذي صاغه الإمام حسن البنا زاد الحركة الإسلامية في أنحاء العالم..
وإذا امتاز فكر الإمام البنا بأنه فكر أصولي تربوي عملي.. فقد تميز فكر الإمام المودودي بأنه فكر تصدى للفكر الغربي الذي حاول استعمار عقول المسلمين بعد أن استعمرت جيوشه بلادهم..
يقول الإمام المودودي: (لما قرأت القرآن بعيني المفتوحة شعرت بأن كل شيء قرأته حتى الآن كان تافهاً غير ذي بال، وقد وجدت الآن أصل الأصول في باب العلم وأصبح يتراءى لي كل من كانت وهيجل ونيتشه وماركس وسائر المفكرين الذين يسير بذكرهم الركبان في العصر الحديث أقزاماً يستحقون الشفقة، لأن المسائل والتعقيدات التي أفنوا حياتهم في حلّها وألفوا فيها كتباً طائلة لم يحالفهم فيها التوفيق، مع أن القرآن الكريم أوجد لها حلاً في آية أو آيتين).
جميع القيادات الإسلامية اقتبست من أفكار المودودي.. لقد كانت الهند مركزاً لحضارة ودولة إسلامية عريقة.. وعندما سقطت هذه البلاد في براثن الاستعمار الإنكليزي.. بدأ الإنكليز ينفّذون فيها خطتهم بعيدة المدى.. فإلى جانب استغلال خيراتها وثرواتها.. بدأوا يحاربون الإسلام ويشجعون الهندوكية..
وإذا كانت أعداد كبيرة من المسلمين انكفأت على نفسها، فإنّ طبقة أخرى منهم تبنت أفكار المحتل.. واعتبرت أن الإسلام ضد العلم وضد التقدم والحضارة.. وإذا أراد المسلمون النهوض من تخلفهم، فلا بد من أن يسيروا في طريق العلمانية ونبذ الدين.
في هذه الأجواء تفتحت مواهب المودودي..
كان عليه أن يكشف زيف الحضارة الغربية.. تكلم في نظرية دارون التي مسخت الإنسان قرداً.. وقالت: أن البقاء للأقوى ولا حق للضعيف بالحياة.. وتساءل المودودي: في ضوء هذه النظرية ماذا سيكون موقف الإنسان تجاه أخيه الإنسان؟ هل سيبقى أي مكان للتعاطف أو الرحمة أو المحبة أو الإيثار، أو بقية العواطف الإنسانية داخل الحياة.. وما هو شأن العدل والإنصاف والأمانة والتدين والصدق والأخلاق؟
وتكلم عن هيجل الذي قدم الدنيا على أنها ساحة صراع.. وانطلق دارون من المنطلق ذاته.. وكذلك فعل ماركس.. وهكذا، وطبقاً لهذه الفلسفة الغربية فإن الإنسان لا يعدو أن يكون محارباً مشاكساً.. يحمل سلاحه ليحارب الآخرين داخل أمته أو خارجها.. يبحث عن منفعته الأنانية الشخصية.
درس المودودي هذه الحضارة من مصادرها.. وبين لأبناء أمته بأسلوب مشرق متين أن الإسلام شيء آخر إنساني حضاري.. واستطاع أن يعيد إلى المسلمين ثقتهم بدينهم واعتزازهم بشخصيتهم.
يقول المودودي: من عام 1929م إلى عام 1939 أفرغت العديد من خزانات الكتب والمراجع في ذهني، استعداداً للمهمة الجديدة مهمة الدعوة إلى الإسلام في عصر مُلئ بالأفكار والتيارات يفرض على الداعية أن يتزود بزاد كمي علمي سام وأن يحظى بعصا من البرهان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، ويحقق بها المآرب الأخرى.
في هذه المرحلة ألف الإمام المودودي مجموعة من أهم كتبه مثل: نحن والحضارة الغربية، والمسلمون وحركة تحرير الهند، ومبادئ الإسلام، وغيرها.. بل إنه ألف كتابه الشهير (الجهاد في الإسلام)، في نحو الخامسة والعشرين من عمره ، وفيه تصدى للرد على دعايات الهندوس الظالمة التي تزعم انتشار الإسلام بالسيف، لا الحجة والبرهان.
لقد ألّف المودودي أكثر من مائة كتاب حول مبادئ الإسلام الأساسية والتحديات المعادية والقضايا المعاصرة كما ألف تفسيره الشهير (تفهيم القرآن) ونذكر هنا أسماء بعض هذه الكتب القيمة لنتبين شمولية كتبه لكل جوانب الحياة الفردية والاجتماعية وجميع التحديات والقضايا المعاصرة، واهم هذه الكتب: (مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة)، (نظام الحياة في الإسلام ومبادئه الأساسية)، (معضلات الإنسان الاقتصادية وحلها في الإسلام)، (أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة)، (نحن والحضارة الغربية الرأسمالية والشيوعية)، (الحجاب)، (الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة)، (الإسلام والمدنية الحديثة).
وقد توثقت صلاته آنذاك بشاعر الهند ومفكره الكبير محمد إقبال، حتى دعاه (سنة 1356هـ الموافق 1937م) ليمارس نشاطه الدعوي في لاهور حيث الكثافة الإسلامية العالية، فانتقل إليها المودودي، وكأنما كان مقدراً له أن يملأ الفراغ الكبير الذي خلفه إقبال بوفاته في السنة التالية.
ولم يقتصر تأثير الحركة الفكرية التي وضع قواعدها الإمام المودودي على باكستان والهند وحدها.. بل تعداها إلى بلاد الإسلام الأخرى..
يقول العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي (رحمه الله): إنني لا أعرف رجلاً أثر في الجيل الإسلامي الجديد مثل تأثير الراحل العظيم لا في العمق ولا في السعة، وقد كان السيد جمال الدين الأفغاني من أقوى الشخصيات الإسلامية التي نبغت في القرن الماضي وأكبرها نفوذاً في عقول الشباب المثقف وسيطرة بل سحرا عليها وتأثيراً في الأفكار والاتجاهات والأساليب الأدبية والكتابية والخطابية، حتى كان صانع جيل ومفتتح عهد، ولكن الحق يقال إن سيطرته العقلية والنفسية كانت محدودة في السخط على الأوضاع السياسية القائمة والاستعمار الأجنبي وفي إثارة الأنفة والنخوة في الشعوب الإسلامية والعمل للجامعة الإسلامية ولم يرافقها فكرة منسقة ولا دعوة إيجابية تقوم على الدراسات الإسلامية العميقة بخلاف الأستاذ أبي الأعلى المودودي، الذي قامت دعوته على الأسس العلمية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية وردود فعل الاستعمار الأجنبي، ومما يجب أن يسجل في مآثره الخالدة انه كان لكتاباته فضل كبير في إعادة الثقة إلى نفوس الشباب المثقف الذكي لصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث، بل لقيادته والتغلب على مشكلاته الطارئة ومعالجتها، بل للمنع عن وقوعها ومحاربة مركب النقص في نفوس هؤلاء الشباب.
ويقول المستشار مأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين: لقد تعرض فكر الإمام المودودي لقدر كبير من التشويه، وبخاصة فيما يتصل بالزعم بإقدامه على تكفير مخالفيه، والحكم على مجتمعاتنا بالجاهلية، وهو قصور بالغ فيه أصحابه، ولم يراع تطور تفكير الإمام المودودي وظروف دعوته، فقد كان الرجل في بداية دعوته مائلاً نحو فكرة الثورة والانقلاب، وبخاصة انه بدأ مسيرته في بلاد تخضع للاحتلال الإنكليزي، ويعيش المسلمون فيه بين أغلبية تخالفهم في الدين وتشتط في معاملتهم، أما بعد تحرر الهند، واستقلال باكستان عنها، فكانت أفكاره تتجه نحو الإصلاح لا الثورة، وهو الرجل نفسه الذي اعتبر التكفير جريمة في حق الفرد والجماعة، وكان يرى أن (من يكفر مؤمناً كان كأنما قتله)، ومما يذكر في هذا المقام أن الإمام المودودي نفسه لما بلغته تلك الشائعات عن جنوح فكره إلى التكفير، كتب يرد هذه الشبهة ويدحضها وينفيها عن نفسه..
في 28 آب (أغسطس) 1947 قامت دولة باكستان.. وشعر المسلمون الذين عانوا من اضطهاد الهندوس والإنكليز أن أحلامهم قد تحققت.. وأنهم سيحققون حلم إقبال بإقامة الدولة الإسلامية في باكستان.. ولكن حزب الرابطة الإسلامية التي نادت بالاستقلال، هي من ينادي اليوم أن تحكم باكستان بالقوانين الغربية العلمانية!
· وهو رجل الحركة الذي أسس الجماعة الإسلامية التي انتشرت في حياته وبعد مماته في معظم أقطار آسيا، وأصبحت مع حركة الإخوان المسلمين الحركة التي تملأ الدنيا وتعطي الأمل للناس. يقول الإمام وهو يتحدث عن الدعوة: (حينما بدأت دراسة القرآن والأحاديث الشريفة والسيرة النبوية لإمعان النظر والدقة، اتضح لي أن القرآن الكريم هو كتاب بدأت الحرك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |